ابن كثير
195
البداية والنهاية
يحضر مجلسه في أثناء الناس فيتناظرون ويتباحثون ، وهو مع ذلك يحكم ويصنف أيضا . وقال : وليت هذا الحكم وأرجو الله أن لا يسألني عن جور ولا ميل إلى أحد ، إلا يوما واحدا جاءني رجل فذكر أن له بستانا وأنه في يد أمير المؤمنين ، فدخلت إلى أمير المؤمنين فأعلمته فقال : البستان لي اشتراه لي المهدي . فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يحضره لاسمع دعواه . فأحضره فادعى بالبستان فقلت : ما تقول يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هو بستاني . فقلت للرجل : قد سمعت ما أجاب . فقال الرجل : يحلف ، فقلت أتحلف يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا ، فقلت سأعرض عليك اليمين ثلاثا فإن حلفت وإلا حكمت عليك يا أمير المؤمنين . فعرضتها عليه ثلاثا فامتنع فحكمت بالبستان للمدعي . قال : فكنت في أثناء الخصومة أود أن ينفصل ولم يمكني أن أجلس الرجل مع الخليفة . وبعث القاضي أبو يوسف في تسليم البستان إلى الرجل . وروى المعافى بن زكريا الجريري ، عن محمد بن أبي الأزهر ، عن حماد بن أبي إسحاق ، عن أبيه عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف . قال : بينا أنا ذات ليلة قد نمت في الفراش ، إذا رسول الخليفة يطرق الباب ، فخرجت منزعجا فقال : أمير المؤمنين يدعوك ، فذهبت فإذا هو جالس ومعه عيسى بن جعفر فقال لي الرشيد : إن هذا قد طلبت منه جارية يهبنيها فلم يفعل ، أو يبعنيها ، وإني أشهدك إن لم يجبني إلى ذلك قتلته . فقلت لعيسى : لم لم تفعل ؟ فقال : إني حالف بالطلاق والعتاق وصدقة مالي كله أن لا أبيعها ولا أهبها . فقال لي الرشيد : فهل له من مخلص ( 1 ) ؟ فقلت : نعم يبيعك نصفها ويهبك نصفها ( 2 ) . فوهبه النصف وباعه النصف بمائة ألف دينار ، فقبل منه ذلك وأحضرت الجارية ، فلما رآها الرشيد قال : هل لي من سبيل عليها الليلة ؟ قلت : إنها مملوكة ولا بد من استبرائها ، إلا أن تعتقها وتتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ . قال فأعتقها وتزوجها منه بعشرين ألف دينار ، وأمر لي بمائتي ألف درهم وعشرين تختا من ثياب ، وأرسلت إلي الجارية بعشرة آلاف دينار . وقال يحيى بن معين : كنت عند أبي يوسف فجاءته هدية من ثياب ديبقي وطيب وفانيل ند وغير ذلك ، فذاكرني رجل في إسناد حديث ( من أهديت له هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه ) فقال أبو يوسف : إنما ذاك في الاقط والتمر والزبيب ، ولم تكن الهدايا في ذلك الوقت ما ترون ، يا غلام ارفع هذا إلى الخزائن ، ولم يعطهم منها شيئا . وقال بشر بن غياث المريسي : سمعت أبا يوسف يقول : صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة ثم انصبت علي الدنيا سبع عشرة سنة ، وما أظن أجلي إلا أن اقترب . فما مكث بعد ذلك إلا شهورا حتى مات . وقد مات أبو يوسف في ربيع الأول من هذه السنة عن سبع وستين سنة ، ومكث في القضاء بعده
--> ( 1 ) في وفيات الأعيان 6 / 385 : مخرج . ( 2 ) زيد في الوفيات ومفتاح السعادة : فيكون لم يهب ولم يبع .